ابن عجيبة
364
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم عاتبهم على تأخر بعضهم عن الجهاد ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 16 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) قلت : « أم » : منقطعة ، بمعنى الهمزة ؛ للإنكار والتوبيخ على الحسبان ، والخطاب للمؤمنين أو المنافقين ، والوليجة : البطانة والصحبة . يقول الحق جل جلاله : أَمْ حَسِبْتُمْ أي : أظننتم أَنْ تُتْرَكُوا من غير اختبار ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ أي : ولم يتبين الخلّص منكم ، وهم الذين جاهدوا ، من غيرهم ، والمراد : علم ظهور ، أي : أظننتم أن تتركوا ولم يظهر منكم المجاهد من غيره . قال البيضاوي : نفى العلم ، وأراد نفى المعلوم ؛ للمبالغة ، فإنه كالبرهان عليه من حيث أن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه . ه . بل يختبركم حتى يظهر الذين جاهدوا منكم . وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ؛ بطانة ، أي : جاهدوا ، وأفردوا محبتهم لله ولرسوله وللمؤمنين ، ولم يتخذوا من دونهم بطانة ، أي : أصحاب سر يوالونهم ويبثون إليهم أسرارهم ، بل اكتفوا بمحبة اللّه ومودة رسول اللّه والمؤمنين ، دون موالاة من عاداهم ، والتعبير ب ( لما ) : يقتضي أن ظهور ذلك متوقع ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ : تهديد لمن يفعل ذلك . الإشارة : إفراد المحبة لله ولأولياء اللّه من أعظم القربات إلى اللّه ، وأقرب الأمور الموصلة إلى حضرة اللّه ، والالتفات إلى أهل الغفلة ؛ بالصحبة والمودة ، من أعظم الآفات والأسباب المبعدة عن اللّه ، والعياذ بالله . وفي الحديث : « المرء على دين خليله » . و « المرء مع من أحبّ » ، و « من أحبّ قوما حشر معهم . » إلى غير ذلك من الآثار في هذا المعنى . ثم نهى عن دخول المشركين المساجد ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 17 إلى 18 ] ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 )